محمد بن وليد الطرطوشي
212
سراج الملوك
فتكون أعوانهم غير ذي جدوى وغناء ، ويحذر الملك أن يولي الوزارة غير المتحرّين ، كي لا تضيع الأمور ، كما يحذر أن يتطبّب بغير طبيب بصير مأمون . وقال شريح بن عبيد « 1 » : لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه رجل حكيم ، إذا رآه غضبان كتب له ثلاث صحائف ، في كل صحيفة ( ارحم المسكين ، واخش الموت ، واذكر الآخرة ) ، فكلما غضب الملك ناوله صحيفة حتى يسكن غضبه . وقال أردشير : يحق على الملك أن يكون ألطف ما يكون نظرا أعظم ما يكون خطرا ، ولا يذهب حسن أثره في الرعية خوفه لها ، ولا يستغني بتدبير اليوم عن تدبير عد ، وأن يكون حذره للمتلاقين أكثر من حذره للمتباعدين ، وأن يتّقي بطانة السوء أشد من اتقائه العامّة ، ولا يطمعنّ في إصلاح العامة إلا بالخاصة . وقال أردشير : لكلّ ملك بطانة ، حتى يجمع بذلك جميع المملكة ، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب ، أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك ، حتى يجتمع على الصلاح عامّة الرّعية . ومثال الملك الخيّر والوزير السوء ، الذي يمنع الناس خيره ، ولا يمكنهم من الدّنوّ منه ، كالماء الصافي فيه التمساح ، فلا يستطيع المرء دخوله وإن كان سابحا ، وكان إلى الماء محتاجا . ومثل السلطان مثل الطبيب ، ومثل الرعية كمثل المرضى ، ومثل الوزير كمثل السفير بين المرضى والأطباء ، فإن كذب السفير بطل التدبير ، وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى ، وصف للطبيب نقيض دائه ، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل ، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل ، فيقتله الملك . فمن هاهنا شرطنا : أن يكون الوزير صدوقا في لسانه ، عدلا في دينه ، مأمونا في أخلاقه ، بصيرا بأمور الرّعية ، وتكون بطانة الوزير ، من أهل الأمانة والبصيرة ، ويحذر الملك أن يولّي الوزارة لئيما ، فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه ،
--> ( 1 ) شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي الحمصي ، من رواة الحديث الثقاة ، من الطبقة الثالثة ، مات بعد المائة الهجرية ، ( تقريب التهذيب 1 / 416 ) .